السيد عبد الله شبر
42
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
فأقبل على العلم والعقل والقلب طالباً ومعاتباً إيّاهم على سبب استنهاض الإرادة وإنهاضها للقدرة . فقال العقل : أمّا أنا فسراج ، ما اشتعلت بنفسي ولكن أشعلت . وقال القلب : أمّا أنا فلوح ، ما انبسطت ولكن بُسِطْت ، وما انتشرت ولكن نشرني من بيده نشر الصحائف . وأمّا العلم فقال : إنّما أنا نقش في منقوش وصورة صوّرت في بياض لوح القلب لمّا أشرق العقل ، وما انخططت بنفسي ، فكم كان هذا اللوح قبلي خالياً ؟ فاسأل القلم عنّي واسأله عن هذا . فرجع إلى القلم تارةً أخرى بعد قطع هذه المنازل والبوادي وسير هذه المراحل والمقامات ، فوقع في الحيرة حيث لم يعلم قلماً إلّامن القصب ، ولا لوحاً إلّامن العظم والخشب ، ولا خطّاً إلّابالحبر ، ولا سراجاً إلّامن النار ، وكان يسمع في هذا المنزل هذه الأسامي ولا يشاهد شيئاً من مسمّاها ، فقال له العلم : زادك قليل ، وبضاعتك مزجاة ، ومركبك ضعيف ، فالصواب لك أن تؤمن بهذه المسمّيات إيماناً بالغيب وتنصرف وتدع ما أنت فيه . فلمّا سمع السالك ذلك استشعر قصور نفسه ، فاشتعل قلبه ناراً ، من حدّة غضبه على نفسه لما رآه بعين النقص ، ولقد كان زيته في مشكاة قلبه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ، لقوّة استعداده وكبريتيّته في مادّته ، فلمّا نفخ فيه العلم بحدّته اشتعل زيته ، فأصبح نوراً على نور ، فقال له العلم : اغتنم الفرصة ، وافتح بصرك ، فلعلّك تجد على هذه النار هدى ، ففتح بصره فرأى القلم الإلهيّ كما سمع نعته من العلم أنّه ليس من قصب ولا خشب ، ولا له رأس وذَنَب ، وهو يكتب على الدوام في صحائف قلوب الأنام أصناف العلوم والحقائق ، وكان له في كلّ قلب رأس ، ولا رأس له ، فقضى منه العجب ، فودّع عند هذا العلم وشكره وقال : لقد طال مقامي عندك وأنا عازم على السفر إلى حضرة القلم . فلمّا جاءه وقصّ عليه القصص وسأله : ما بالك تخطّ على الدوام في القلوب من العلوم ما تبعث به الإرادات إلى إشخاص القدرة وصرفها إلى المقدورات ؟